السبت، 26 مايو 2012


الجزء الأول من :
 أصداء المجد : ديوان محمد عبد الرحمن ولد الحابوس الزيبي

مـــــــــــاذا يقــــــــــــول الشعر ؟
في رثاء العالم الأديب القاضي الشيخ محمديحيى
ولد العلامة الرباني الشهير محمد مَرْ ولد الحابوس الزينبي

الشعر ماذا يقول الشعر يا عجبي
إني أغالبه كيما أُكَفْكفهُ
والشعر أقصر شأْوًا أن يؤبِّنه
والفكر في دهَشٍ حارت مداركه
هذي مواهبه هذي فضائله
لكنَّما الله يقضي حسب حكمته
نم يا سليل الكرام الغُرِّ يا بطلا
علم سنيٌّ وعقل مثمر أبدا
وعزة وإباء أصله شمم
في القلب إيمانه بالله خالقه
حلْوُ الحديث نصوحٌ في مجالسه
هذي مناقبه هاتيك سيرته
لا غرو أن كان هذا فضله شرفا
قد كان حاكا أباه في مآثره
آباءه الغرُّ أشرافٌ غطارفة
في دينهم عُلَمَا في سعيهم صُلَحَا
يا دوحةً بظلال المجد وارفةً
ويا ركيزة قوم للعلى سمقتْ
لا أفْتأَّنَّ حياتي الدهر أذْكُرهُ
 والله يكْنُفُه في روض رحمته
والله يحفظ أهليه ويخْلُفه
والله يجزيه عنا حُسن تربية
يا رب صل على المختـار مـا خطرت

والدمع أفصح من شعري ومن أدبي
فيبْعثُ الحزن مكنونٌ من اللَّهب
تاهت معانيه ما أَغْنَتْ ولم تُصِب
والعلم أنَّ أنين المُوجَع الوصب
تبكيه في جزعٍ يا طول مُنتحب
لذا رضيت رضًى يشفي من الغضب
رام المعالي فلم يشْطُطْ ولم يخب
و عزمة تُكْثر الإقدام في اللجب
وهمَّةٌّ جابت الأفاق في خَبَبِ
في العقل حكمته تزدان بالأدب
للمسلمين بصدقٍ دونما شغب
ماذا أقول إذا قصَّرتُ عن أرب
فالفرع في حكمه للأصل ذو نسب
قدْما محمد مَرٍّ منتهى الحسب
حازوا الفخار ونالوا السبق في الرتب
يزينهمْ كرمٌ يسْخُو بلا طلب
يختال فكريََّ في أفْنانها القُشب
في المجد ضاربة مرْكُوزة الطنب
بحسن سيرته في نشوة الطرب
في الخلد أسْكنه قصرا من القصب
فيهم بألطف تدبير بلا نصب
بالعلم والنصح كانت خير مكتسب
ذكـرى محمـد يحيـى والدي وأبـي

  أصداء المجد : ديوان محمد عبد الرحمن ولد الحابوس الزيبي

 فعاتب إذا ما شئت سهل عتابيا

 سنة 2006 وجد الوالد على ولده موجدة فآثر  الشاعر برور والده والخضوع له و أبكت الوالد  هذه القصيدة
 بين جلسائه في مدينة الغائرة كما حكى ذالك الثقاة

ألا يا أبي قد تبتُ ممَّا هفا بيا
ومن ذا الذي لم يخطئ الدهر مرةً
مقرٌّ بذنبي والحماقةُ ديْدني
بفضلك إن سامحتني اليوم أو ترى
فبالنار ضعني أو ببئْر دَوِيَّة
فذي حسرتي تذْرافُ دمعي يُذيعها
وقد حزَّ في نفسي سوالفُ أزمُنٍ
عقوقٌ يُغذِّيه عنادٌ وجفوةٌ
وشحناءُ ترمي ناصع الحق بالهوى
وزيفُ غرورٍ كان مجداف زورقي
فيوحي إلى نفسي بأنيَّ ناضجٌ
وما كنتُ إلا طائشا متخبَّطا
وقد فاتني أن العقوق وشؤْمه
فهاتيك من دهريَّ أسوأُ حقبةٍ
وقد غاظني أنيَّ مازلتُ موثقا
فثرتُ على نفسي أذا الحالَ أرتضي
وأعجز عن إرضاء أكرم والدٍ
ترعْرَعتُ في أكناف نُعماه يافعا
أأنكر ذيَّاك الجميل وأقتفي
فما ذاك فعل المسلم الورع الذي
ولا فعل ذي عقلٍ ولا ذي مروءةٍ
فهاأنذا  أعلنْتُها اليوم توبةً
فيا ليتكم عن ذالك العهد تصفحوا
و يا ليتني ألقَى لديكم شفائيا
ويا ليت أن العيد يُضْفي سروره
وليت التعادي يستحيلُ تسامحا
وليت عقوقا كان بالأمس زلَّةً
عليكم سلام الله ما تـاب مخطـئ

أيا أبتي أرجوك فاقبل متابيا
وقد كنتُ خطَّاءًا قليلٌ صوابيا
فعاتب إذا ما شئت سهلٌ عتابيا
عقابي أما والله عدل عقابيا
فإني بما يرضيك أصبحتُ راضيا
يترجم ما في القلب يشرح ما بيا
صحائفُها قد سوَّدتْها مخازيا
تزيد ظنونَ السوء فينا تماديا
فيبقى مع الأهواء في النفس وانيا
إلى عالم الأوهام زاد غبائيا
سديدُ الرؤى نحو المعالى مساعيا
أقودُ إلى الخسران نفسيًّ لاهيا
يلاحقني يغتالُ منِّي رجائيا
غرقتُ بها في الخزي حتىَّ الترقيا
بأغلالها لا أستطيع تفاديا
وأُغْضي عليه هادئ البال هانيا
تمنُّ به الأقدار فيما بدا ليا
وأترعني من علمه ما هدانيا
شقاقاً له تالله طاشت مراميا
يخاف لقاء الله للحق داعيا
فمن لي بماء الصفح يغسل عاريا
نصوحا إلى الله العظيم متابيا
و يا ليتني أرمي عليل خصاليا
و يا ليتني أسلو الغداة مصابيا
على كل قلب كان للهمِّ عانيا
وليت التجافي يستحيل تراضيا
يصير له التوقير والبرُّ نافيا
ترضَّى أبـاه بعدمـا كـان غـاويا













































  أصداء المجد : ديوان محمد عبد الرحمن ولد الحابوس الزيبي

  منهل النور والهدى

 في شأن الزيـارة المبـاركة للشيخ الحـاج ولد فحف أطال الله بقاءه وأعلى مقامه,
 بعد عيد الفطر لسنة2008وما بين قوسين مواضع في الطريق

سموتُ إلى الحاج الهُمام مسلِّما
وهيَّجني فرْطُ الصبابة والهوى
وزاد اعتزامي رفقةٌ لي أكارم
وآزرني صحبي بهمَّة حازمٍ
ورفرف في روْض (التقادة) خاطري
فلما تفرَّعنا الفوارع من كُدى
فيا لزهور البُشْر حين تفتَّقت
فلما وردنا منهل النور والهدى
ذرفنا دموع الوجد عبرة واصلٍ
تحيَّر في شجْوٍ لما البعد والنوى
إمام  الهدى والعلم والزهد والتقى
له من كريمات المحامد سيرةٌ
فلا عدم الإسلام نَدْبا مثيله
ففي الإخوة الأبناء خيرُ خليفة
فهم حفظوا سمْت الإمام وهديه
ومن حوله من صالحين أفاضلٍ
جميعا لهم قلبي رحابٌ فسيحة
بها من أغاريد المحبَّة محْفلٌ
وصحبيَّ من حالي أشدُّ حفاوةً
فـإن قصُرتْ أبيـاتُ شعـر مؤلًـف

فغرَّد في نفسي الحنينُ ترنُّما
فأذْكيتُ عزمي وابتدرت مصمما
مبوَؤُهم في القلب أرفعُ منتمى
فعاج من (العوْجاء) قلبي متيَّما
وأنْجد شوقي (بالشُّقُوق) و هوَّما
رأى صحبنا من آية القرب معْلما
بقلبي وحين القلب منها تنسَّما
وراق لنا وصْلُ الأحبَّة مغْنما
يُقرِّعُ أحكام النوى متندِّما
عن الشيْخ نورِ الله والكونُ أظلما
وإن قلتُ صدِّيقًا لما جئت مأثما
بها أرشد العُمْي الحيارى وألْهما
إن كان مثلُ الشيخ في الناس قلَّما
وذالك فضل الله قد جلَّ مُنْعما
فيا فخْر مَجْدٍ للمعالي تسنَّما
مناراتِ علمٍ كالغمام إذا انهمى
بها من مُروج الوُدِّ ما قد تبسَّما
يُسَرِّي عن القلب المُعنَّى التجشُّما
فجاء قصيدي عن هواهم مُترْجما
فمـا قصُـرتْ أشـواقُ صبٍّ تضرَّمـا

  أصداء المجد : ديوان محمد عبد الرحمن ولد الحابوس الزيبي
 حنين و نجوى
 كان العلامة الشيخ محمد الحسن ولد الددو معزولا في السجن المدني عن بقية إخوانه السجناء من العلماء و الأيمة فراسلهم ببيتين لطيفين من مجزوء الرمل همادهرنا أمسى ضنينا   باللقا حتى ضنينا   يا ليالي الوصل عودي    فاجمعينا أجمعينا. وحث الدكتور والسفير السابق القيادي في حزب تواصل المختار ولد محمد موسى حثَّ الشاعرَ فذابت مشاعره و مواجده شجية الشكوى صادقة النجوى فأنشد :
ملأ النفس شُجونا
منع النَّوم الجُفونا
عزْلُنا عنك دهانا
شخْصُكُمْ ما غاب عنَّا
أنت في القلب عزيزٌ
لستَِ في السجن وحيدا
حسْبُك العلمُ أنيسا
عِشتَ للإسلام طودا
لهُدى الإسلام تدعو
خيَّب الله مساعي
دمَّر الله عليهم
فرَّج الله علينا
إذْ غـدا الـدهـر ضنينـــا

طيفُ ذكرى يعترينا
فلقِينا ما لقِينا
فظلِلْنا حائرينا
زادنا البُعْدُ حنينا
رغْم أنْف الظالمينا
لستَ في السجن سجينا
حسْبُك الله معينا
شامخا حُرًّا أمينا
تنْصرُ الحق المبينا
ظالميك المجرمينا
بادئًا ممَّن يلينا
عن قريبٍ أجمعينا
بـاللقــا حتــى ضنيــنــا






















  أصداء المجد : ديوان محمد عبد الرحمن ولد الحابوس الزيبي
 لا غرو إن ظعنا 

 في رثاء عثمان ولد أحمد عثمان أمير جماعة الشراتيت من قبيلة إدوعيش عند زيارة وفد قبيلة أولاد  إعل الزينبيين  للتعزية28/2/2008


قد حرَّك الوجْدَ واسْتدعى لنا الحزَنا
فالقلب تنْهبُه الأحزان تقْرعُهُ
والناس واجمة أودى بها جزعٌ
رُزْءُ الفقيد الهمام الشهم رائدنا
قُطْب المعالي الذي الأمجاد تعرفه
هذي مآثرهُ بالفضل شاديةٌ
عثمان أكرم به من ماجدٍ عدمتْ
فحسْبُه من نعيم الخلد منزلةً
والله يُخْلفكمْ من بعده بدلا
بعد العزاء وكبْت الشجو إخوتنا
منا التحيَّةُ بالإجلال ناطقةٌ
بنُو علي تداعوا يُهرعون أسىً
وكان منْكُمْ ودادٌ رائعٌ لهمُ
لذاك آلمَهُمْ ما قد أمضُّكمُ
هـذا الـوداد لســانُ الشكر ردًّدهُ

خطبٌ دهانا أطار النوم و الوسنا
شتَّى الهواجس يشكو الهمَّ و الحزنا
من هول وقْعَتِه تَسْتعطفُ المحنا
للمكرُمات وللعلياء دون وَنَى
عرفان جُرْد المذاكي من لها امْتهنا
قد أفْحَمَتْ شانئيه إن حكَوْا ظِننا
دُنْيَا الورى مثْله لا غرْو إن ظعنا
يعْتاضُها عن دُنَيَِّا تَغْتلي فتنا
يعيدُ سيرته الغرَّاء مُؤْتَمنا
منَّا السلامُ عليكمْ قد زها فننا
منا المودَّةُ لا تلقوْا بها دخنا
إذ هُمْ لكمْ أصفياءٌ إخوة قُرَنَا
ما زال ذكرًا جميلا خالدا حسنا
وللقلوب وفاءٌ قد غلا ثمنا
شعرا طروبا يُجازي الفضل و المننا
























 أصداء المجد : ديوان محمد عبد الرحمن ولد الحابوس الزيبي
مذهب السلام ومنطقه

 قالها الشاعر عند قفوله من المحظرة إلى أهله بتاريخ:9/2006
سلامٌ على الأهل الكرام الأماجد
سلامٌ همتْ بالشوق أنداءُ فجْرِهِ
سلامٌ شدتْ بالصدق أنغامُ شدْوه
سلامُ من الله السلام عليكم
ألا فاقبلوا منِّي السلام هديةً
فوالله لولاها إذًا من قرابةٍ
لشطَّت بنا في البُعْد دارٌ وطوَّحت
سلامٌ عليكم ما ثنى الشوقُ و الهوى

سلامٌ به تخفيفُ شتَّى المواجد
فحرَّك قلبا في عداد الجلامد
فأسمعَ مفْتُونا بوحْيِ المكائد
وذالك من معناه جمُّ الفوائد
تفوقُ الهدايا من طريف و تالد
ومن رحمٍ في الشرع آكدُ آكد
ِِ
بنا في النوى أغراضُ أمْرٍ مُباعد
فتى مُبْصرًا في الدهر سامي المقـاصد















 أصداء المجد : ديوان محمد عبد الرحمن ولد الحابوس الزيبي
 حقائق عن العلم و الجهل و السيدا

 مشاركة في الأسبوع الثقافي لمدينة انواكشوط  سنة 2002 وفازت القصيدة
 بالمرتبة الأولى وكان تكريم الشاعر على يد الشيخ  حمدا ول التاه  


في اقتناء العُلوم تُلْفى المعالي
فسلوا شنْقيط العلى عن مقالي
وضياءٌ يجْلُو بهيم الليالي
فاسمعوها بالعلم تُجْنى الأماني
واسْمعُوها فالعلم للشعب رَوْحٌ
ورحيقٌ يُهدي النفوس نشاطا
وهْو تاجٌ للدهر يكسوه حسنا
حثَّنا الإسلامُ الحنيفُ عليه
واحذروا الجهل فهو ذُلٌّ وعارٌّ
وانحطاطٌ للشعب نحو المهاوي
وافتقارٌ وزلَّةٌ وهوانٌ
يمنح النفس خسَّةً وانتكاسا
دأْبُه أن يهُدَّ صرح المباني
وهْو قبحٌ في زينة المرء دوما
وهْو فيروسٌ يجعل الشُّهد سمًّا
مثله السيدا ينهُش الجسم نهْشًا
وترى آلامًا تُهيجُ دموعا
فكذاك السيدا جزاءُ المعاصي
فاتقوا الله واحذروه رجائي
وكذا السيدا من يُعرفه يُخْزى
فاحذروا السيدا واحذروا الجهل حقا
فانتصح شعبنــا وصح في إبـاء

والحضاراتُ تُبْتنى في الرمال
ستُجِبْكم والعلمُ تاج الكمال
فيعي السالكون كُنْه الضلال
بعدما كانت من بنات المُحال
وحياةٌ تُهديه أحسن حال
لتُبيد العنا بعزم الرجال
وشعاعٌ للشمس نحو الظلال
فاطلبوا العلم دون أيِّ ملال
وانتحارٌّ للنفس فوق النبال
وعقال للشعب أقْسَى عقال
وهْو مجْدُ الجُهَّال والأنذال
يُوهن العزم عن بسيط المنال
ويقود الشعوب نحو الزوال
وغباءٌ يأباه خلُّ المعالي
وضبابٌ يخفي جمال اللآلي
فترى القيحَ منْهُ في تهطال
وترى الجسم ماضيا في الهزال
والزنا من أسبابه في الأوالي
وقفوا عند أمره ذا الجلال
 فقبيح تمثيله في المقال
واطلبوا العلم دون أي ملال
إننــا ضـد كـل داء عضــال












تاريخ شنقيط المجيد بلاد المنارة و الرباط لمحة موجزة







تقع مدينة شنقيط على ظهر آدرار ( جبل لمتونة ) على التخوم الجنوبية من الشمال الموريتاني وتبعد عن نواكشوط 516كلم وعن طار عاصمة الولاية 83كلم وتقع جغرافيا على خط العرض 20درجة و27 دقيقة و10ثوان من العروض الشمالية وعلى خط الطول 12 درجة و21دقيقةو45ثانيةغرب خط "كرينتش"

وتتميز بمناخ صحراوي جاف، بارد في الشتاء، حار صيفا، مع تيارات هوائية نشيطة تغلب عليها الرياح التجارية الشمالية الشرقية (Alizé) الجافة المصحرة، إلا أن أواخر الصيف وبداية الخريف تشهد رياحا جنوبية وجنوبية غربية هي امتداد للرياح الموسمية، تجلب بعض الأمطار التي لا تكاد معدلاتها السنوية تصل إلى 100مم. إلا في حالات الرطوبة الاستثنائية، وعندما تمطر السماء وتسيل البطحاء فإن ذلك يعتبر حدثا بالغ الأهمية بالنسبة إلى السكان، لما له من انعكاس إيجابي على الواحات ذات الدور البارز في اقتصاد المدينة.

ويتراوح عدد السكان بين 3000 نسمة في الشتاء ليربو على 7000 في الصيف (موسم الكيطنة) وقد كان الاقتصاد التقليدي يقوم على أسس ثلاثة هي واحات النخيل وما تنتجه من تمور وما يزرع تحتها من حبوب، ثم تربية الماشية التي كان يملك السكان منها كميات معتبرة، وأخيرا النشاط التجاري نظرا لموقع المدينة على طريق القوافل بين المغرب والسودان، فكان لأهل المدينة ثلاثة اتجاهات للتسويق والتسوق هي السوادن(مالي الحالية) ووادنون في جنوب المغرب ومدينة اندر السنغالية.

1ـ تأسيس المدينة

خلافا للمدن التاريخية الأخرى، فلم يكن أهل شنقيط يهتمون بالتدوين وخاصة تدوين التاريخ، ولذلك لم نجد مؤلفات لأهل المدينة قبل القرن الهجري الحادي عشر أي بعد تأسيس المدينة بأربعة قرون،فكانت التقاليد الشفوية أهم مصادر تاريخ المدينة وهي مطية لخلط الحقائق بالأساطير، وتتقاذفها الأهواء والنعرات غير أن الذي درج عليه مؤرخو المدينة هو أن شنقيط الأولى أسست قريبا من موقعها الحالي سنة 160هـ تحت اسم "آبير" وهو تصغير مصنهج لكلمة بئر ربما لقرب مائها من السطح، وقد تكون إحدى الآبار التي حفرها عبد الرحمن بن حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع سنة 116 للهجرة للربط بين سجلماسة بجنوب المغرب وأوداغست قرب تامشكط الحالية، وقد بلغت المدينة أوج ازدهارها إثر سقوط دولة المرابطين الشمالية سنة 541هـ وانزياح القبائل الصنهاجية التي كادت تتألف منها دولة المرابطين إلى الجنوب.

أما شنقيط الثانية ( شنقيط الحالية) فإن المتثوارث من الروايات الشفوية يرجع تأسيسها إلى سنة 660 هجرية (1262م) على يد أربعة رجال هم محمد غلي بن إبراهيم جد قبيلة لغلال ويحي العلوي بن أبيح جد إدوعل، وأعمر بن علي المعروف بأعمر بن يبني جد آمكاريج وهو عم يحي،و إيديجر، في روايات تتفق في جوهرها وتختلف في تفاصلها.

اجتمع هؤلاء الاربعة (ويضيف البعض إليهم خامسا هو شمس الدين الجد الجامع لقبيلة( السماسيد) في هذا المكان الذي يبدو أنه كان قرية بافورية صغيرة تعيش على هامش آبير واتفقواعلى تأسيس المدينة بداية بالجامع العتيق وهو المسجد الحالي، ثم بدور المؤسسين الأوائل، ثم التحق بهم سكان آبير تدريجيا حتى اكتمل انتقال السكان من شنقيط الأولى إلى الثانية خلال أربعين سنة لأن القوافل أصبحت تحط بها، وتفرقت بقية سكان المدينة القديمة في أنحاء البلاد الموريتانية الحالية وكانت أقربها موقعا قبيلة تجاكانت التي انتبذت مكانا قريبا منها هو"تينيكي" التي تبعد عن شنقيط 37كلم.

وقد انتظم السكان تحت رئاسة جماعية للمدينة حيث انتخبت الجماعة رئيسا لها. ومن أشهر هذه الرئاسات رئاسة الشيخ سيد أحمد بن الوافي بن حبيب الله التي دامت خمسين سنة شهدت المدينة خلالها ازدهارا لم يعرف له مثيل.

هذا عن المصادر الشفوية أما المصادر المكتوبة فإنها قليلة وقليل ما تخصصه لذكر المدينة. فقد ذكر عبد الرحمن السعدي في تاريخ السودان أن رجلا من شنقيط من قبيلة آجر الصنهاجية يدعى محمد نل قد عينه أحد ملوك دولة مالي سنة 837هـ حاكما لتينبكتو كما ذكر أن إمرأة ثرية أغلالية ينت مسجدا في نفس المدينة، وكذلك شنقيط ذكرها الرحالة البرتغالي فالنتينو فرنانديز Fernandez) (Valentinoسنة 1507 م – 912ه في سياق تعداد القرى الواقعة فوق جبل بافور.

أما اول شيئ مفصل نسبيا فإنه يعود إلى العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم سنة 1205هـ في ورقات سماها صحيحة النقل في علوية إيدوعلى وبكرية محمد غلى وقد نسخ جلها صاحب الوسيط بصفة تكاد تكون حرفية . ثم كتب سيدي محمد بن حبت ( ت 1288هـ) تاريخا للمدينة لخصه ابنه أحمد المتوفى 1301 هجرية ثم فصله حفيده سيد محمد (ت 1952هـ ) في نقلة سماها تاريخ التكروربحيث وسعها إلى الفضاء الشنقيطي الأشمل .إلا أن مصادر كل هذه الكتابات لم تكن تعتمد إلا على التقاليد الشفوية الموروثة.

لم تتأثر المدينة كثيرا بالنزاعات التي نشبت بين قبائل صنهاجة وقبائل بني حسان، وبعد انتصار هؤلاء لم يكن حكمهم للمدينة إلا رمزيا، إذا كانت تحيط بها هالة من القداسة تجلب لها الاحترام فأصبح الحكام الجدد يتبركون برموز المدينة الدينيين.

وهكذا استمرت المدينة موئلا للعلم والدين ومركزا للتجارة بين الشمال والجنوب حتى جاء الاستعمار الفرنسي سنة 1909م فتغيرت المعطيات، وانتقلت مراكز النفوذ وطرق التجارة إلى جهات أخرى ودخلت البواخر على الخط فأصبحت الوسيلة الاولى لنقل البضائع والحجيج قبل أن تأتى السيارة فتعمق تغيير هذه المعطيات.

لم تقف المدينة مكتوفة الايدي أمام الغزو الاستعماري، فكان لأهلها مواقف ووقائع مشهودة فشاركوا في المقاومة في تكانت وآدرار واستشهد منهم رجال كثيرون ويكفي أن نشير إلى أن سيدي بن مولاي الزين منحدر من شنقيط وأضرحة أجداده شاهدة بذلك وبعد احتلال آدرار التحق العديد منهم بالشيخ ماء العينين وشاركوا في الغزوات التي لم تنته ألا سنة 1934م أي 26 سنة قبل الاستقلال.

وقد بقيت روح المقاومة متأصلة في المدينة متجلية في مقاومة المدارس الفرنسية والكراهية لكل ما يمت إلى النصارى بصلة. وعندما بدأ الوعي الوطني يدب من جديد إثر دخول وسائل الإعلام المسموعة إلى المحيط وأصبحت أنباء حركات التحرر تصل إلى البلاد وأنشئت منظمة الشبيبة الموريتانية كانت مدينة شنقيط من أوائل المنخرطين في التوجه التحرري فتأسس فرع المنظمة الشباب سنة 1956م واستطاع بسرعة أن يوحد المدينة، ويقضي على الخلافات التي كانت قائمة فيها، ثم أسس قسم من حزب النهضة استطاع أن يعبئ السكان للتصويت ضد دستور الجنرال ديكول في 28 سبتمر 1958م فكانت شنقيط المدينة الوحيدة التي صوتت بأكثر من %90 بلا في الاستفتاء.

كان اهتمام أهل شنقيط شديدا بتأدية فريضة الحج رغم بعد الشقة وصعوبة المسالك ومخوفيتها، فكان لهم كل سنة ركب يتجه إلى البلاد المقدسة، وبالتدريج أصبح هذا الركب يضم مئات الحجاج القادمين من مختلف الجهات، فاتخذت هذه الاركاب اسم شنقيط عنوانا لها حتى أصبح القطر كله يعرف في المشرق ببلاد شنقيط، التي ذاع صيتها رمزا للعلم والموسوعية والسلوك القويم.

وزاد من إشعاع شنقيط هجرة أبنائها في النصف الثاني من القرن الحادي عشر إلى جنوب البلاد ووسطها وشرقها فانتشرت مدارس الأغلال في الحوض ولعصابة ومدارس إيدوعل في أرض القبلة وتكانت، فكانوا شيوخ الزوايا في مختلف الجهات. ويشهد لهذا قول محنض باب بن ولد اعبيد الديماني (ت 1277 ) يمدح إيدوعلي الجالة ويذكر جدهم القاضي عبد الله بن محمد بن حبيب المشهور بالقاضي:

فجدهم أستاذ تاشمش كلهم قد ارتضعوا من علمه الخلف والضرعا

وكان للسماسيد المنحدرين من شنقيط في القرن الهجري الحادي عشر دور كبير في نشر العلم والدين في باطن آدرار وغربه.

وإذا أخذنا في الاعتبار الجوار الجغرافي القريب أمكننا اعتبار تينيكّي امتدادا لإشعاع شنقيط لكونها قريبة منها ومنحدرة مثلها من "آبير" فقد تفرق الجكنيون في أنحاء كبيرة من البلاد وخارجها وكان لهم باع واسع في نشر المعارف أينما حلوا.

II شنقيط اليوم

يختلف حاضر شنقيط عن ماضيها اختلافا بينا، فقد جفت فيها موارد الحياة من زرع وضرع، وتفرقت ساكنتها أيدي سبا وعزت فيها وسائل العيش ، فهجرها جل علمائها وأدبائها. وقد تعرضت منذ الستينيات لموجة جفاف تواصلت حتى منتصف التسعينيات فماتت واحات النخيل وانتقل المنمون بما بقى لهم من سائمة إلى مناطق بعيدة أقربها ولاية لعصابه وخربت المدينة القديمة بسبب هجرة السكان، وزحفت الرمال فكادت تدفن كل شيء حي.

وبالرغم من أن أحواز المدينة شهدت خلال السنوات الأخيرة أمطارا متفرقة فلم يمكن ذلك من عودة السكان و لا المنمين لأن الكثير منهم نشأ في مواطنه الجديدة ولم تعد تربطه بالمدينة إلا ذكريات باهتة .

غير أنه من الملاحظ أن بعض ميسوري الحال وقليل ماهم أخذوا في بعث حدائق من النخيل مكان تلك التي ماتت منذ العقود الأخيرة.

ولم تكد المدينة تستبشر بالآفاق الجديدة التي فتحتها السياحة حتى انسدت هذه الآفاق بسبب الظروف الأمنية الجديدة. لقد تمت الدعوة سنة 1981 إلى تصنيف المدن الأثرية القديمة بما فيها شنقيط تراثا للإنسانية ، ولكن تصنيف المدينة من قبل السلطات العمومية كتراث وطني لم يقع إلا سنة 1996، ولكن هذا التصنيف الذي يقتضي عدم المساس بالمدينة القديمة لم يحترم من قبل المواطنين ونشهد اليوم على ضفتي الوادي نموا عمرانيا فوضويا إلى درجة كبيرة. وقد حصلت المدينة على تمويلات من البنك الإسلامي للتنمية والاتحاد الأوروبي منذ منتصف التسعينات، ولكنها لم تغير من واقع الناس شيئا مذكورا.